أبي حيان التوحيدي

55

المقابسات

هزل زاد على مزبّد « 1 » حبيب القلوب ، ومراح الأرواح . شيخ الأدب ،

--> ( 1 ) هو أبو إسحاق مزبد المدني . كان رجلا حسن البادرة ، حلو النادرة ، سريع الخاطر ، كثير الدعابة . وقد كنت جمعت له من النوادر والفكاهات والحوادث شيئا كثيرا ، ورأيت حقا على أن انتخب له هنا خلاصة منها ترويحا لنفس القارئ . فمنها أن بعض ولاة المدينة أحضره اليه وأتهمه بشرب الخمر فلما استنكهه لم يجد له رائحة فقال : قيئوه ! فقال مزبد : ومن يضمن عشائى أصلحك اللّه ؟ وقيل له : هل لك في الخروج إلى قبا والعقيق وأخذ ناحية قبور الشهداء ، فان يومنا كما ترى طيب ؟ فقال : اليوم الأربعاء ولست أبرح دارى ؟ قيل : وما تكره من يوم الأربعاء وفيه ولد يونس بن متى ؟ فقال : بأبى أنتم وأمي ، فقد التقمه الحوت ! قالوا : فهذا اليوم الذي نصر اللّه فيه النبي على الأحزاب ! قال : أجل ، ولكن بعد إذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وظنوا بالله الظنون ؟ . . . وهبت يوما ريح شديدة فصاح الناس : القيامة ! القيامة ! فقال مزبد : هذه القيامة على الريق ، بلا دابة الأرض ، ولا دجال ، ولا يأجوج ومأجوج ؟ ! ومرض يوما فقال له الطبيب : احتمى ! فقال : يا هذا ، أنا ما أقدر على شئ إلا على الأماني ، أفأحتمي منها ؟ ! . . ورآه إنسان بالرها وعليه جبة خز فقال له : هب لي هذه الجبة ! فقال : ما أملك غيرها . فقال الرجل : فان اللّه يقول « ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة » فقال : اللّه أرحم بعباده من أن ينزل هذه الآية بالرها في كانون ، وإنما نزلت بالحجاز في حزيران وتموز وآب ! . . . ومن لطائفه أنه نظر إلى امرأته يوما وهي تصعد في سلم فقال لها : أنت طالق إن صعدت ، وأنت طالق إن نزلت . وأنت طالق إن وقفت ؟ فرمت بنفسها إلى الأرض ، فقال لها : فداك أبي وأمي ، إن مات مالك احتاج الناس إليك لأحكامهم ! . . . وقيل له : أيولد لابن ثمانين ولد ؟ فقال : نعم ؛ إذا كان له جار ابن ثلاثين سنة ! وقيل له : ما بال حمارك يتبلد إذا رجع إلى منزلك ؟ فقال : لأنه يعلم سوء المنقلب . وهبت ريح صفراء بالمدينة فزع الناس لها وأشفقوا منها ، فجعل مزبد يدق أبواب جيرانه ويقول : لا تعجلوا بالتوبة ، فإنما هي وحياتكم زوبعة ، والساعة تنكشف . وقيل له : إن فلانا الحفار قد مات . فقال : أبعده اللّه ، من حفر حفرة سوء وقع فيها . وقيل له : أيسرك أن تكون هذه الجبة لك ؟ فقال : نعم ، وأضرب عشرين سوطا ! فقيل له : ولم هذا ؟ فقال : لأنه لا يكون شئ إلا بشيء . . . وقال مزبد لرجل : أيسرك أن تعطى ألف درهم وتسقط من فوق البيت ؟ فقال : لا . فقال مزبد : وددت أنها لي وأسقط من فوق الثريا ! فقال له الرجل : ويلك فإذا سقطت مت ؟ فقال : - وما يدريك ! لعلى أسقط في التبانين أو على فرش زبيدة ! ونام مزبد في المسجد يوما فدخل رجل فصلى ثم قال : يا رب أنا أصلى وهذا نائم ؟ فانتبه مزبد وقال : يا بارد سل حاجتك ولا تخدشه علينا ؟ وغضب عليه بعض الولاة يوما فأمر الحجام بحلق لحيته فقال له الحجام : انفخ شدقيك حتى أتمكن من الحلاقه ؟ فقال له : الوالي أمرك بحلق لحيتي أو تعلمني الزمر ؟ وقيل له : كيف حبك لأبى بكر وعمر ؟ فقال : ما ترك الطعام في قلبي حبا لأحد . ودخل يوما على بعض العلويين فجعل العلوي يعبث به ويؤذيه ، فتنفس الصعداء وقال : صلوات اللّه على عيسى بن مريم ، فان أمته معه في راحة ، لم يخلف عليهم من يؤذيهم ؟ . . . وألطف ما يروى عنه أنه جمع مرة في داره بين متعاشقين فتعاتبا ساعة ، ثم إن العشيق مديده فقالت : دع هذا فليس هنا موضعه ؟ فسمعها مزبد فقال : يا زانية ، فأين موضعه ! بين الركن والمقام ؟ واللّه ما بنيت هذه الدار إلا للقحاب والقوادين ، ولا اشترى خشبها إلا من دراهم القمار ، فأي موضع أحق بالزنا منها ؟ ونوادره كثيرة وطريفة ، غير أنها مشتتة في ثنايا الكتب فتلففتها واخترت أبدعها هنا . ولم أقف على تاريخ وفاته